نارٌ ليستْ كالنار ...
ــــــــــــــــــــــــــــ
عادةً ما يحيل لفظ النار على ما فيه الإساءةُ والأذى والشرُّ وما يسير هذا المسار ذي الدلالة السالبة، لكن الأمر عندي يختلف بعض الاختلاف حيث – باستثناء الإحالة الدينية – فالنار لها رمزية أخرى في شعوري ولاشعوري معاً ... فهي مَرّةً ذاكرةُ عشْق جميل رائع رافقني وأنا يافع في منتهى البراءة ثمّ غزاه الفشل الذريع في فجر شبابي الأول ذات يوم شتائي بارد جدا جدا باختفاء من كانت تشاركني فيه من غير أن أعرف أبداً لِمَ اختفتْ ؟ وكيف اختفتْ ؟ وأين اختفتْ اختفاءً جنونياً لا ظهور بعده ولا خبر يتسرّب منه ؟ وظلت نار ذلك العشق العذريّ الموؤود تشتعل في خبايا الروح ويتعاظم لهيبُها من زمن إلى زمن وينفلت بعض حريقها المختلف عن كل حريق في مقتطفات من كتاباتي الشعرية والنثرية كما في وقفات من آرائي المتمردة على قهر الحياة ومأساويتها السائرة في صمت لا يمكن قراءته قراءة ذات جمال أو قراءة ينعدم فيها الجمال ... وهي مرّةً ذكرى جلسات ليلية رفقة أصَيْحاب زمني الأول ونحن في خرجات للنزهة والترفيه والتعلّم غير المباشر - من مكان إلى مكان - إذْ شاكسنا مواطن الشجر ومواقع تَجاوُرِ الرمل بالتمر ومرتفعات الحجر وشواطئ البحر وحالنا من حال هيئة الغجر، والحكايات والضحكات والأخبار والأشعار وما لذّ من الألعاب والمنافسات والمسابقات تدور بيننا حول نار كالنور وفي ديجور من وحي السرور في عمق الحبور، ومع الدهر اضمحلّ كلُّ شيءٍ ولم تبق إلا صورة تلك النار التي لا تحرقُ برغم اشتعالها من أول الليل إلى السحَر والوجوه المحيطة بها تعود ما بين حين وحين من غيابها المتوارِي فتتّضح قليلا ثم تفقد ملامحها جلها أو كلها وتختلط ببعضها في تمازج لا يدركه بصرٌ ولا يستطيع تفسيره مفسِّرٌ ... وهي مرّة تاريخ لتكرارية الفشل وتراكمية الهزائم التي اعتقدنا جميعنا أنها من باهر نجاحات الحياة حين وقوعها، ومع تعاقب الشروق والغروب أدركنا أنها ليست كذلك فاشتعلت فينا نار ليست كالنار وظلت تلتهب من غير لهب ولا دخان ولا رماد ولا أثر جلي يمكن وضع اليد عليه حتى بدا لنا في أوجّ لحظات التأمل ومحاورة الذات وإجراء التركيبات التي تنفلت منها النفس إلى وُسْع الحياة أنّ هذه الحياة ما هي إلا نار كبيرة كبيرة جدا ليست كالنار الصغيرة التي هي عنصر بسيط من عناصرها التكوينية المألوفة المعروفة ... وتتعدد المرات وتتداخل إشاراتها في عابر السنوات ونحن نحترق ونحترق ونحترق تدريجيا كشموع باهتة تحاول أن تضيء نفسها وربما تضيء غيرها من غير أن تفلح إلا نادراً واستثناء وبنسبة تكاد أن تلامس الصفر في هذه الندرة وهذا الاستثناء ... أعانني الله وإياكم على محاورة نار الحياة والنجاة من نار ما بعد الحياة.
ــــــــــــــــــــــ
بومدين جلالي.
الخميس، 13 ديسمبر 2018
بومدين الجلالي
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق